القرطبي
337
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ليس عليك هدهم ولكن الله يهدى من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون ( 272 ) قوله تعالى : ( ليس عليك هداهم ولكن الله يهدى من يشاء ) فيه ثلاث مسائل : الأولى - قوله تعالى : ( ليس عليك هداهم ) هذا الكلام متصل بذكر الصدقات ، فكأنه بين فيه جواز الصدقة على المشركين . روى سعيد بن جبير مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم في سبب نزول هذه الآية أن المسلمين كانوا يتصدقون على فقراء أهل الذمة ، فلما كثر فقراء المسلمين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تتصدقوا إلا على أهل دينكم " . فنزلت هذه الآية مبيحة للصدقة على من ليس من دين الاسلام . وذكر النقاش أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بصدقات فجاءه يهودي فقال : أعطني . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ليس لك من صدقة المسلمين شئ " . فذهب اليهودي غير بعيد فنزلت : " ليس عليك هداهم " فدعاه ( 1 ) رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه ، ثم نسخ الله ذلك بآية الصدقات . وروى ابن عباس أنه قال : كان ناس من الأنصار لهم قرابات من بني قريظة والنضير ، وكانوا لا يتصدقون عليهم رغبة منهم في أن يسلموا إذا احتاجوا ، فنزلت الآية بسبب أولئك . وحكى بعض المفسرين أن أسماء ابنة أبى بكر الصديق أرادت أن تصل جدها أبا قحافة ثم امتنعت من ذلك لكونه كافرا فنزلت الآية في ذلك . وحكى الطبري أن مقصد النبي صلى الله عليه وسلم بمنع الصدقة إنما كان ليسلموا ويدخلوا في الدين ، فقال الله تعالى : " ليس عليك هداهم " . وقيل : " ليس عليك هداهم " [ ليس متصلا ( 2 ) ] بما قبل ، فيكون ظاهرا في الصدقات وصرفها إلى الكفار ، بل يحتمل أن يكون معناه ابتداء كلام . الثانية - قال علماؤنا : هذه الصدقة التي أبيحت لهم حسب ما تضمنته هذه الآثار هي صدقة التطوع . وأما المفروضة فلا يجزئ دفعها لكافر ، لقوله عليه السلام : " أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم " . قال ابن المنذر : أجمع [ كل ( 3 ) ] من أحفظ عنه
--> ( 1 ) في ه : دعا به . ( 2 ) في ج وه وب وى : متصلا . دليل على سقوط : ليس ، أو غير متصل كباقي النسخ . ( 3 ) في ج .